تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

76

محاضرات في أصول الفقه

وحركاتهم إلى سلطنتهم المطلقة على نحو الأصالة والاستقلال ، بلا دخل لإرادة وسلطنة أخرى فيها ، وهم يفعلون ما يشاؤون ويعملون ما يريدون من دون حاجة إلى الاستعانة بقدرة أخرى وسلطنة ثانية . وبهذه النقطة تمتاز عن نظرية الأمر بين الأمرين ، فإن العبد على ضوء تلك النظرية وإن كان له أن يفعل ما يشاء ويعمل ما يريد إلا أنه في عين ذلك بحاجة إلى استعانة الغير فلا يكون مستقلا فيه . وغير خفي أن المفوضة وإن احتفظت بعدالة الله تعالى إلا أنهم وقعوا في محذور لا يقل عن المحذور الواقع فيه الأشاعرة ، وهو : الإسراف في نفي السلطنة المطلقة عن الباري - عز وجل - وإثبات الشريك له في أمر الخلق والإيجاد . ومن هنا وردت ( 1 ) روايات كثيرة تبلغ حد التواتر في ذم هذه الطائفة ، وقد ورد فيها : " أنهم مجوس هذه الأمة " ( 2 ) ، حيث إن المجوس يقولون بوجود إلهين : أحدهما خالق الخير ، وثانيهما خالق الشر ، ويسمون الأول " يزدان " ، والثاني " أهريمن " ، وهذه الطائفة تقول بوجود آلهة متعددة بعدد أفراد البشر ، حيث إن هذا المذهب يقوم على أساس أن كلا منهم خالق وموجد بصورة مستقلة بلا حاجة منه إلى الاستعانة بغيره . غاية الأمر أن الله تعالى خالق للأشياء الكونية كالإنسان ونحوه ، والإنسان خالق لأفعاله الخارجية من دون افتقاره في ذلك إلى خالقه . وقد استدل على هذه النظرية : بأن سر حاجة الممكنات وفقرها إلى العلة هو حدوثها ، وبعده فلا تحتاج إليها أصلا ، لاستغناء البقاء عن الحاجة إلى المؤثر . وعليه فالإنسان بعد خلقه وإيجاده لا يحتاج في بقائه إلى إفاضة الوجود من خالقه ، فإذا بطبيعة الحال يستند صدور الأفعال إليه استنادا تاما ، لا إلى العلة المحدثة ، ومن الواضح أن مرد هذا إلى نفي السلطنة عن الله - عز وجل - على عبيده نفيا تاما . والجواب عن ذلك يظهر على ضوء درس هذه النقطة ( استغناء البقاء عن

--> ( 1 ) انظر بحار الأنوار : ج 5 كتاب العدل باب القضاء والقدر . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 5 ص 9 ، وتفسير القمي : ج 1 ص 226 .